ما هي معاني الاستدلال المختلفة ؟

الاستدلال في اللغة العربية طلب الدليل، وفي عرف الأصوليين والمتكلمين : النظر في الدليل، سواء كان استدلالا بالعلة على المعلول، أو بالمعلول على العلة.

1 ـ وقد يخص الأول أي الاستدلال بالعلة على المعلول باسم التعليل، والثاني أي الاستدلال بالمعلول على العلة باسم الاستدلال.

2 ـ ولكن الأولى أن يطلق الاستدلال على إقامة الدليل، لا على النظر في الدليل، لأن الدليل قول مؤلف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها قول آخر، وليس الاستدلال به النظر في الدليل، وإنما هو إقامة الدليل.

3 ـ والاستدلال عند بعضهم هو انتقال الذهن من الأثر إلى المؤثر، أو من المؤثر إلى الأثر، أو من أحد الأثرين إلى الآخر (تعريفات الجرجاني).

4 ـ فإذا كان انتقالا من الأثر إلى المؤثر، أومن المعلول إلى العلة، سمي استدلالا إنَيا، وإذا كان انتقالا من المؤثر إلى الأثر، أو من العلة إلى المعلول، سمي استدلالا لميا.

5 ـ والاستدلال في اصطلاحنا هو تسلسل عدة أحكام مترتبة بعضها على بعض، بحيث يكون الأخير متوقفا على الأول اضطرارا، فكل استدلال إذن انتقال من حكم إلى آخر، لا بل هو فعل ذهني مؤلف من أحكام متتابعة، وإذا وضعت لزم عنها بذاتها حكم آخر غيرها. وهذا الحكم الأخير لا يكون صادقا إلا إذا كانت مقدماته صادقة.

7 ـ وهذا يدل على أن المنطق وعلم النفس كليهما يشتركان في بحث الاستدلال.

8 ـ إلا أن المنطقي ينظر في الاستدلال الكامل، من حيث هو مؤلف من قضايا مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا ضروريا، فيعرف أنواع الاستدلال، ويرتبها بحسب قيمها، ويفرق بين الاستدلالات المنتجة والاستدلالات غير المنتجة.

9 ـ أما العالم النفسي فيبحث في الاستدلال من حيث هو فعل ذهني واقعي، لا من حيث هو صحيح أو فاسد، فقد تختلف قيمة الحجج العقلية في نظر المنطقي، من حيث قربها من الصواب، أو بعدها عنه، ولكن قيمتها في نظر العالم النفسي واحدة، لأنه إنما ينظر في حركة الذهن، وكيفية تكون الحجج العقلية ونشوئها، لا في صحتها وفسادها.

10 ـ والمتقدمون من فلاسفتنا يقسمون الاستدلال 3 أنواع : القياس والاستقراء، والتمثيل، وذلك لأنه إما أن يحكم على الجزئي لثبوت ذلك الحكم في الكلي، وهو القياس، أو يحكم على الكلي لثبوته في الجزئي، وهو الاستقراء، أو يحكم على الجزئي لثبوت الحكم في جزئي آخر، وهو التمثيل؛ انظر لباب الإشارات للفخر الرازي، وهو تهذيب إشارات ابن سينا،ص 32 من طبعة مصر، ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين للفخر الرازي، ص 32 مع تلخيص المحصل لنصير الدين الطوسي في ذيله.

11 ـ والأولى أن يقسم الاستدلال إلى استنتاج، واستقراء، وتمثيل، لأن الاستنتاج أعم من القياس، وكل قياس فهو استنتاج، وليس كل استنتاج قياسا، وسيأتي بيان هذه المعاني في المقالات القادمة إن شاء الله.

12 ـ وجملة القول : أن الاستدلال هو استنباط قضية من قضية أو من عدة قضايا أخرى، أو هو حصول التصديق بحكم جديد مختلف عن الأحكام السابقة التي لزم عنها.

13 ـ والمعرفة التي تحصل في الذهن بطريق الاستدلال هي المعرفة غير المباشرة، أما المعرفة التي تحصل في الذهن بطريق الحدس فهي المعرفة المباشرة، وتسمى الأولى استدلالية، أو انتقالية أو نظرية، والثانية معرفة حدسية.

14 ـ والاستدلال بالأولى هو الانتقال من قضية إلى أخرى، لاشتمال القضية الثانية على مرجح زائد على الأسباب المشتركة بين القضيتين.

15 ـ ويطلق اصطلاح الاستدلال بالأولى أيضا على الانتقال من كمية أولى إلى كمية أكبر أو أصغر منها بحيث لا يكون الوصول إلى الكمية الأولى أو تجاوزها ممكنا إلا إذا كان الوصول إلى الكمية الثانية أو تجاوزها ممكنا.

16 ـ ويطبق الاستدلال بالأولى في القضايا الحقوقية، كما في قولنا : إذا حق لك أن تقتل السارق، حق لك بالأولى أن تقتل القاتل.

17 ـ والاستدلال الفلسفي هو الاستدلال المقابل للاستدلال الخطابي، أو الجدلي، أو السوفسطائي.

18 ـ اعلم أنه قد عرف الاستدلال في شرح العقائد بالنظر في الدليل سواء كان استدلالا من العلة على المعلول أو من المعلول على العلة، وقد يخص الأول باسم التعليل والثاني باسم الاستدلال. وقال المولوي عصام الدين في حاشية شرح العقائد: والأولى أن يفسر بإقامة الدليل ليشتمل ما يتعلق بالدليل، بمعنى قول مؤلف من قضايا يستلزم لذاته قولا آخر، فإنه ليس الاستدلال به  النظر في الدليل. (انظر كشاف اصطلاحات الفنون لتهانوي ج 1 ص 152).

19 ـ قال التهانوي في كشافه : وبالجملة فتعريفه بالنظر في الدليل يختص بمذهب الأصوليين والمتكلمين، وتعريفه بإقامة الدليل يشتمل مذهب المنطقيين أيضا. (كشاف اصطلاحات الفنون لتهانوي ج 1 ص 152).

20 ـ وفي كشف البزدوي: الاستدلال هو انتقال الذهن من الأثر إلى المؤثّر وقيل بالعكس. وقيل مطلقا، وبهذا المعنى قيل: الاستدلال بعبارة النصّ وإشارة النصّ ودلالة النصّ واقتضاء النصّ، انتهى؛ إذ النص علّة ومؤثّر وأثره ومعلوله الحكم كما لا يخفى، وبالنظر إلى المعنى الأول وقع في الرشيدية أن المدعي إن شرع في الدليل الآنيّ يسمّى مستدلّا انتهى، إذا الدليل الآني هو الذي يكون الاستدلال فيه من المعلول على العلّة كما عرفت، والتعليل الانتقال من المؤثّر إلى الأثر ويسمّى ذلك الدليل دليلا لمّيّا، وقد يطلق المستدل على المعلّل وهو الشارع في الدليل اللّميّ، وقد يطلق المعلّل على المستدل كما ستعرف في لفظ الدعوى. (كشاف اصطلاحات الفنون لتهانوي ج 1 ص 152 و 153).

21 ـ الفرق بين الاحتجاج والاستدلالأن الاستدلال طلب الشيء من جهة غيره والاحتجاج هو الاستقامة في النظر سواء كان من جهة ما يطلب معرفته أو من جهة غيره، (انظر الفروق اللغوية للعسكري ص 70).

22 ـ الفرق بين الاستدلال والدلالة : أن الدلالة ما يمكن الاستدلال به والاستدلال فعل المستدل ولو كان الاستدلال والدلالة سواء لكان يجب أن لو منع المكلفين للاستدلال على حدث العالم ألا يكون في العالم دلالة على ذلك، (انظر الفروق اللغوية للعسكري ص 70).

23 ـ الفرق بين الاستدلال والنظر: أن الاستدلال طلب معرفة الشئ من جهة غيره، والنظر طلب معرفته من جهته ومن جهة غيره، ولهذا كان النظر في معرفة القادر قادرا من جهة فعله استدلالا، والنظر في حدوث الحركة ليس باستدلال، وحد النظر طلب إدراك الشئ من جهة البصر أو الفكر ويحتاج في إدراك المعنى إلى الامرين جميعا كالتأمل للخط الدقيق بالبصر أولا ثم بالكفر لان إدراك الخط الدقيق التي بها يقرأ طريق إلى إدراك المعنى وكذلك طريق الدلالة المؤدية إلى العلم بالمعنى، وأصل النظر المقابلة، فالنظر بالبصر الاقبال به نحو المبصر، والنظر بالقلب الاقبال بالفكر نحو المفكر فيه، ويكون النظر باللمس ليدري اللين من الخشونة، والنظر إلى الانسان بالرحمة هو الاقبال عليه بالرحمة، والنظر نحو ما يتوقع والانظار إلى مدة هو الاقبال بالنظر نحو المتوقع، والنظر بالامل هو الاقبال به نحو المأمول، والنظر من الملك لرعيته هو إقباله نحوهم بحسن السياسة، والنظر في الكتاب بالعين والفكر هو الاقبال نحوه بهما، ونظر الدهر اليهم أي أهلكهم وهو إقباله نحوهم بشدائده، والنظير المثيل، فإنك إذا نظرت إلى أحدهما فقد نظرت إلى الآخر، وإذا قرن النظر بالقلب فهو الفكر في أحوال ما ينظر فيه، وإذا قرن بالبصر كان المراد به تقليب الحدقة نحو ما يلتمس رؤيته مع سلامة الحاسة. (انظر معجم الفروق اللغوية للعسكري ص 46).

24 ـ المعرفة إما استدلالية، وهو الاستدلال بالآيات على خالقها لأن منهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء، وهذه المعرفة على التحقيق إنما تحصل لمن انكشف له شيء من أمور الغيب حتى استدل على الله تعالى بالآيات الظاهرة والغائبة، فمن اقتصر استدلاله بظاهر العالم دون باطنه فلم يستدل بالدليلين فتعطل استدلاله بالباطن وهي درجة العلماء الراسخين في العلم. وأما شهودية ضرورية وهو الاستدلال بناصب الآيات على الآيات، وهي درجة الصديقين وهم أصحاب المشاهدة. قال بعض المشايخ: رأيت الله قبل كل شيء وهو عرفان الإيقان والإحسان، فعرفوا كل شيء به لا أنهم عرفوه بشيء انتهى. (كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي ج 2 ص 1584).

25 ـ والاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن يسمى بعلم الفراسة. (كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي ج 2 ص 56).

26 ـ وإليكم هذا الفيديو الرائع لبيان حقيقة الاستدلال في علم المنطق من تقديم الشيخ أدهم العاسمي : 


27 ـ ومن الكتب التي ألفت في بيان مفهوم الاستدلال نجد كتاب الاستدلال لمؤلفه روبير بلانشى، وعدد صفحات الكتاب يصل إلى 364 صفحة وهو كتاب في الفلسفة وعلم المنطق. ومن الكتب التي ألفت في هذا الباب أيضا كتاب الاستدلال عند الاصوليين تأليف: أسعد عبد الغني السيد الكفراوي، ومن الكتب أيضا كتاب الاستدلال الشرعي الفاسد .. تاريخه ومنهجه وقضاياه تأليف : د. محمد هشام اغبالو تأليف، ومن الكتب التي ألفت في الاستدلال أيضا كتاب مناهج الاستدلال على مسائل العقيدة الإسلامية في العصر الحديث : مصر نموذجا. تأليف أحمد عبد الرحيم، ومما ألف أيضا في هذا المجال كتاب مصادر الاستدلال على مسائل الاعتقاد لمؤلفه : عثمان علي حسن، ومن المؤلفات كذلك كتاب قواعد الاستدلال على مسائل الاعتقاد لمؤلفه: عثمان علي حسن، ومن الكتب كذلك كتاب وقف الفكر الحداثي العربي من أصول الإستدلال في الإسلام دراسة تحليلية نقدية اسم الكاتب: محمد بن حجر القرني، وكتب الاستدلال كثيرة ولله الحمد اقتصرنا منها على هذا الكم المذكور حتى لا نطيل على القارئ الكريم.

28 ـ الاستدلال عند الأصوليين : وهو محاولة الدليل المفضي إلى الحكم الشرعي من جهة القواعد  لا من جهة الأدلة المنصوبة . ( انظر جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول للقرافي ج 2 صفحة 511).

29 ـ قال الآمدي في كتابه الإحكام في أصول الأحكام في الجزء الرابع صفحة 118 : الأصل السادس في معنى الاستدلال وأنواعه ، أما معناه في اللغة: فهو استفعال من طلب الدليل والطريق المرشد إلى المطلوب.
وأما في اصطلاح الفقهاء: فإنه يطلق تارةً بمعنى ذكر الدليل، وسواء كان الدليل نصًا أو إجماعًا أو قياسًا أو غيره.
ويطلق على نوع خاص من أنواع الأدلة، وهذا هو المطلوب بيانه هاهنا، وهي عبارة عن دليل لا يكون نصًا ولا إجماعًا ولا قياسًا.
فإن قيل: تعريف الاستدلال بسلب غيره من الأدلة عنه ليس أولى من تعريف غيره من الأدلة بسلب حقيقة الاستدلال عنه.
قلنا: إنما كان تعريف الاستدلال بما ذكرناه أولى بسبب سبق التعريف لحقيقة ما عداه من الأدلة دون تعريف الاستدلال كما سبق، وتعريف الأخفى بالأظهر جائز دون العكس.
وإذا عرف معنى الاستدلال، فهو على أنواع؛ منها قولهم: وجد السبب فثبت الحكم، ووجد المانع وفات الشرط فينتفي الحكم، فإنه دليل من حيث إن الدليل ما يلزم من ثبوته لزوم المطلوب قطعًا أو ظاهرًا، ولا يخفى لزوم المطلوب من ثبوت ما ذكرناه، فكان دليلًا، وليس هو ولا إجماعًا ولا قياسًا فكان استدلالًا.

هذا بعض ما جاء في بيان حقيقة الاستدلال وإلا فالكلام عليه يطول ويفتح أبواب كثيرا، فلنقتصر على ما ذكرنا ففيه فائدة إن شاء الله تعالى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وفي الختام تدعوكم مدونة (ماكينة الأفكار) إلى نشر الموضوع والتعليق عليه ليستفيد الجميع إن شاء الله تعالى.

وللتواصل بشكل مباشر يرجى الاتصال  بالحساب الشخصي على الفايسبوك :