ما هو الأصل ؟
ما هو الأصل ؟

ما هو الأصل ؟

الأصل أسفل الشيء، وهو في اللغة عبارة عما يفتقر إليه، ولا يفتقر إلى غيره، وفي الشرع عبارة عما يبنى عليه غيره، أو هو ما ثبت حكمه بنفسه، وبني عليه غيره.

1 ـ فالابتناء الحسي مثل ابتناء السقف على الجدار، والابتناء العقلي مثل ابتناء الأفعال على المصادر، والمجاز على الحقيقة، والأحكام الجزئية على القواعد الكلية، والمعلورلات على العلل، وما يشبه ذلك.

2 ـ الأصل  بدء الشيء، أي أول ظهوره ونشأته، كما في قول ابن خلدون : ((زعم أنه الفاطمي المنتظر تلبيسا على العامة هنالك بما ملأ قلوبهم من الحدثان بانتظاره هنالك، وأن ذلك المسجد يكون أصل دعوته)). (المقدمة صفحة 284).

3 ـ وهذا البدء قد يكون زمانيا، كما في قول ابن خلدون أيضا : ((إن البدو أقدم من الحضر، وسابق عليه، وإن البادية أصل العمران، وأن الضروري أقدم من الحاجي والكمالي ، وسابق عليه، لأن الضروري أصل والكمالي فرع، وذلك يدل على أن أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة، وأنها أصل لها)).(المقدمة، صفحة 213 و 214 من طبعة دار الكتاب اللبناني).

4 ـ وقد يكون البدء مكانيا كما في قولنا أن نقطة الصفر تعتبر أصلا بالنسبة إلى تبدل قيم المتغير، وقد يكون مطلقا، كما في كلامنا على أصل الوجود، أو مبدأ الوجود، فهو لا يتضمن معنى زمانيا، بل يشير إلى ابتناء العالم كله على علة أولى قديمة.

5 ـ وقد يطلق الأصل على أقدم صورة لشيء متبدل، فيكون مبنى وأساسا لذلك الشيء، كما في قول (رينان) : (( يجب أن يشتمل تاريخ أصول المسيحية على تاريخ العهد المظلم الذي امتد من أوائلها إلى الوقت الذي أصبحت فيه حادثا عاما، شائعا، ومعلوما لدى الجميع)).

6 ـ وكما في قول (دوركهايم) : ((إن الدراسة التي شرعنا فيها ضرب من إعادة النظر في مسألة أصول الأديان بشروط جديدة، لا شك أننا إذا عنينا بكلمة أصل بدءا مطلقا وجب استبعاد هذه المسألة لخلوها من أية صفة علمية. فالمسألة المقصودة هنا هي غير هذه تماما. إنا نريد أن نجد وسيلة لإبراز الأسباب الدائمة التي تتوقف عليها الصور الأساسية للتفكير والعمل الديني. فكلما كانت المجتمعات التي نشاهدها أقل تعقيدا كانت ملاحظتها أسهل، ذلك هو السبب الذي من أجله حاولنا التقرب من الأصول)).

7 ـ وكما في قوله أيضا : (( أنت ترى أن لكلمة أصول عندنا معنى إضافيا ككلمة بدائي. إن هذا اللفظ لا يدل على البدء المطلق، بل يدل على أبسط حالة اجتماعية معلومة، لا يمكننا في الوقت الحاضر أن نرتقي إلى حالة أبسط منها، فإذا تكلمنا على الأصول، أو على  بدايات التاريخ أو على التفكير الديني، فليفهم من هذه الألفاظ ما عنينا)).

8 ـ والأصل كذلك هو الواقع القديم الذي تبدل فخرج منه شيء آخر، كما في قولنا: أصل المسيحية اليهودية والهلينية، وقد يطلق الأصل على مجرد الحالة القديمة، كما في قولنا: الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الماء الطهارة، والأصل في الأشياء العدم، أي العدم فيها متقدم على الوجود.

9 ـ وقد يطلق الأصل على المبدأ والقاعدة، فإذا أطلق على المبدأ، سمي أصلا منطقيا، بخلاف الأصل الزماني والتاريخي، وإذا أطلق على القاعدة، دل على قضية كلية، من حيث اشتمالها بالقوة على جزئيات موضوعها، وتسمى تلك الأحكام الجزئية فروعا، واستخراجها منها تفريعا.

10 ـ وحمل المفهوم الكلي على الموضوع على وجه كلي، بحيث تندرج فيه أحكام جزئياته، يسمى أصلا وقاعدة، وحمل ذلك المفهوم على جزئي معين من جزئيات موضوعه يسمى فرعا ومثالا.

11 ـ والأصول من حيث أنها مبنى وأساس لفروعها سميت قواعد، كما في قول (الغزالي) : (( ولكن مجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلا يجب تكفيرهم في ثلاثة منها)). (المنقذ من الضلال صفحة 95)، ومن حيث أنها مسالك واضحة لها سميت مناهج، ومن حيث أنها علامات لها سميت أعلاما.

12 ـ والعلوم الأصلية هي العلوم المشتملة على المبادئ والقواعد الكلية، قال ابن سينا : (( وهذه ـ الكلام على العلوم المتساوية النسب إلى جميع أجزاء الدهر ـ منها أصول ومنها توابع وفروع، وغرضنا هنا هو في الأصول، وهذه التي سمينها توابع وفروعا فهي كالطب والفلاحة)). (منطق المشرقيين صفحة 5).

13 ـ وقد يطلق الأصل على السبب، كما في قولنا : (( إن حب الذات أصل الخجل)). فالسبب أصل من جهة احتياج المسبب إليه، وابتنائه عليه، والسبب المقصود أصل من جهة كونه بمنزلة العلة الغائية، كما في  قول صاحب الرسالة الجامعة :((وأنا آخذ عليك فيها عهد الله المأخوذ على أول مبدع أبدعه وجعله أصلا لخلقه بما أفاض عليه من جوده)). (الرسالة الجامعة، الجزء الأول، صفحة 12 و13).ولكن الأصل لا يطلق في اللغة إلى على العلة المادية فتقول أصل هذا السرير خشبة أو نحاس، ولا تقول أصله الغاية التي صنع من أجلها.

14 ـ وقد يطلق الأصل على الدليل بالنسبة إلى المدلول عليه، كما في قولنا : الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة. وقد يطلق على الراجح بالنسبة إلى المرجوح، أو على ما هو الأولى، كما يقال : الأصل في الإنسان العلم، أي العلم أولى به من الجهل.

15 ـ وقد يطلق الأصل على المحتاج إليه، كما في قولنا الأصل في الحيوان الغذاء. وقد يطلق على حادث كان سببا في استعمال  لفظ أو حدوث خطأ، أو نشوء عادة، أو اكتساب نمط من أنماط الفعل. وقد يكون الأصل مرادفا للتكوين. وقد يدل على الوالد بالنسبة إلى الولد، كما في قولهم : ليس له أصل ولا فصل، فالأصل الوالد، والفصل الولد، وقيل الأصل الحسب، والفصل اللسان، والأصيل المتمكن في أصله.

16 ـ ويستعمل الأصل في منطوق كثير من المسائل الفلسفية من هذه المسائل مسألة أصل تصورتنا أو معارفنا، يطلق الأصل هنا على نشوء التصورات والمعارف بالنسبة إلى الفرد، وإما على نشوئها بالنسبة إلى الإنسانية عامة، أويطلق في ترتيب أحوال النفس على الأحكام والتصورات التي لا يمكن إرجاعها إلى الإحساس، أو يطلق في نقد مبادئ العلوم، وفرضيتها، ونتائجها، وأصلها المنطقي، على الأسباب الفاعلة أو الظرفية المؤثرة في تكوين معارفنا، أو يطلق في نظرية المعرفة على المبادئ القبلية الموجودة في الإدراك الحسي والتفكير.

17 ـ ومن المسائل الفلسفية أصل الأنواع، بمعنى هل الأنواع الحية ثابتة على حالها لا تتغير، أم هي متبدلة تنتقل من صورة إلى صورة على التعاقب؟ وإذا صح أنها متبدلة، فما هي أسباب تبدلها ؟ وما هي مراحله ؟ 

18 ـ ومن المسائل الفلسفية أصل الحياة، بمعنى هل الحياة مجرد تفاعل فيزيائي كيميائي، أم هي ظاهرة أصيلة دائمة ؟ وإذا كانت ظاهرة أصيلة، فكيف حدثت في الماضي على كوكب كالأرض لم يكن مشتملا على جميع الشروط اللازمة لحدوثها. 

19 ـ ومن المسائل الفلسفية أصل اللغة وهي مسألة عويصة : هل تولدت اللغة من وحي إلهي، أم من غريزة أو وحي طبيعي، أم هي نتيجة تواطؤ واختراع، أم نتيجة تطور تاريخي؟ (انظر كتاب رينان). 

20 ـ ومن المسائل الفلسفية أصل الشر وهي أعوص من المسألة التي سبقتها : وملخصها أنه لماذا وجد الشر في عالم خلقه إله خير كامل. أفلا يتعارض وجود الشر ووجود الله، ألا يبطل كذلك وجود الخير إذا كان الله غير موجود، وهذه المسألة أجاب عنها العلماء في كتبهم الكلامية فليبحث عن جوابها هناك.

21 ـ ينتج من هذه المسائل أن لكلمة (أصل) معنيين أساسيين، فهي تطلق أولا على الأصل المطلق، الذي تريد الفلسفة الوضعية أن تجتنب البحث فيه، وهي تطلق ثانيا على معنى إضافي نسبي، أي على مجموع العوامل التي توضح نشوء الشيء: كالمواد، أو الأسباب والظروف التي أدت إلى حدوثه. وهذا المعنى الثاني لا يتعارض وشروط البحث العلمي. على أن في هذا المعنى الأخير التباسا، لأنك إذا بحثت عن الأصل، ولم تعين البدء الزماني، انقلب بحثك في التاريخ الواقعي إلى بحث في التاريخ الخيالي المجرد، كبحث فلاسفة القرن الثامن عشر في ((الحالة الطبيعية)) التي اعتبروها أصلا للاجتماع الإنساني، دع أن بحثك عن الأصول لا بد من أن يتضمن إشارة إلى أصل واحد تفرعت عنه الأشياء، أو إشارة إلى حالة قديمة لم يكن الشيء المبحوث عن أصله موجودا فيها، كبحث (جان جاك روسو) مثلا عن أصل التفاوت بين الناس.

22 ـ إن العقل العلمي الفلسفي يبحث دائما عن الوحدة، ويريد أن يرجع الأشياء إلى أصل واحد، أو إلى مبدأ واحد معين. وهذا أمر بعيد المنال، لأن هناك في الواقع أحوالا كثيرة لا يمكن تعيين أصل لها، كما أن هناك لكل حالة معلومة أصولا كثيرة أثرت في تكوينها.

23 ـ وعند الفقهاء والأصوليين يطلق على معان: أحدها الدليل، يقال الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة. وثانيها القاعدة الكلية وهي اصطلاحا على ما يجيء قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة عل جزئيات موضوعها، ويسمّى تلك الأحكام فروعا واستخراجها منها تفريعا. وثالثها الراجح أي الأولى والأحرى يقال الأصل الحقيقة. ورابعها المستصحب، يقال تعارض الأصل والظاهر، فهذه أربعة معان اصطلاحية تناسب المعنى اللغوي، فإن المدلول له نوع ابتناء على الدليل، وفروع القاعدة مبنية عليها، وكذا المرجوح كالمجاز مثلا له نوع ابتناء على الراجح وكذا الطارئ بالقياس إلى المستصحب، كذا في العضدي وحواشيه للسيّد السّند والسعد التفتازاني. وربّما يعبر عن المعنى الرابع بما ثبت للشيء نظرا إلى ذاته على ما وقع في حاشية الفوائد الضيائية للمولوي عبد الحكيم. وربّما يفسّر بالحالة التي تكون للشيء قبل عروض العوارض عليه، كما يقال الأصل في الماء الطهارة والأصل في الأشياء الإباحة، هكذا في حواشي المسلم . وخامسها مقابل الوصف على ما يجيء في لفظ الوصف، وكذا يجيء بيان بعض المعاني المذكورة سابقا أيضا في محله. وذكر البيضاوي الأصل بمعنى الكثير أيضا، ولعل مرجع هذا المعنى إلى المعنى الثالث والله أعلم.

24 ـ الفرق بين الأصل والسنخ : أن السنخ هو أصل الشيء الداخل في غيره مثل سنخ السكين والسيف وهو الداخل في النصاب وسنوخ الإنسان ما يدخل منها في عظم الفك فلا يقال سنخ كما يقال أصل لذلك والأصل أسم مشترك يقال أصل الحائط وأصل الجبل وأصل الإنان وأصل العداوة بينك وبين فلان كذا والأصل في هذه المسألة كذا وهو في ذلك مجاز وفي الجبل والحائط حقيقة وحقيقة أصل الشيء ما كان عليه معتمده ومن ثم سمي العقل أصاله لأن معتمد صاحبه عليه ورجل أصيل أي عاقل وحقيقة أصل الشيء عندي ما بدىء منه ومن ثم يقال إن أصل الإنسان التراب وأصل هذا الحائط حجر واحد لأنه بدىء في بنيانه بالحجر والآجر.


وفي ختام هذا المقال تدعوكم مدونة (ماكينة الأفكار) إلى نشر الموضوع والتعليق عليه لتعم الفائدة إن شاء الله. 


وللتواصل والنقاش يمكنكم زيارة الصفحة الشخصية على الفايسبوك :


https://www.facebook.com/fayssala.acharki.5

انتهى مقال : ما هو الأصل ؟  وسنلتقي غدا في مقال جديد إن شاء الله.