ما هي الإشارة ؟
ما هي الإشارة ؟ 

أشار إليه أومأ، يكون ذلك باليد، والرأس، والعين، والحاجب، والمنكب إلخ .. وأشار به عرفه، وأشار عليه بالرأي إذا أمره ونصحه، ودله على وجه الصواب.

1 ـ ومبلغ الإشارة كما يقول الجاحظ أبعد من مبلغ الصوت، وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان (البيان والتبيين، الجزء الأول، صفحة 70 مصر 1926).

2 ـ والإشارة قسمان : إشارة حسية، وإشارة ذهنية، أما الإشارة الحسية، فتطلق على معنيين : أحدهما أن يقبل الإشارة بأنه هنا أو هناك، وثانيهما أن يكون منتهى الإشارة الحسية، أعني الامتداد الموهوم الآخذ من المشير، منتهيا إلى المشار إليه.

3 ـ وأما الإشارة الذهنية فهي كإشارة ضمير الغائب وأمثالها مما يحتاج في إثباته إلى استدلال العقل، أو كإشارة المتكلم إلى معان كثيرة لو عبر عنها لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة.

7 ـ مثال ذلك قوله تعالى : وغيض الماء، فإنه أشار بهاتين اللفظتين إلى انقطاع مادة المطر، وبلع الأرض، وذهاب ما كان حاصلا من الماء على وجهها.

8 ـ والاستدلال بإشارة النص إثبات الحكم بالنظم غير المسوق له، كما أن الاستدلال بدلالة النص إثبات الحكم بالنظم المسوق له.

9 ـ وابن سينا يسمي الفصل المشتمل على حكم يحتاج في إثباته إلى دليل وبرهان، بالإشارة، كما يسمي الفصل المشتمل على حكم يكفي في إثباته تجريد الموضوع والمحمول من اللواحق، أو النظر فيما سبقه من البراهين، بالتنبيه. (شرح الإشارات للطوسي، الجزء 1 صفحة 4 من الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية 1325 هـ)، فالإشارة في اصطلاحه هي الحكم الذي يحتاج إثباته إلى دليل، ويقابله التنبيه، وهو الحكم الذي لا يحتاج إثباته إلى دليل.

10 ـ الإشارة شيء مدرك بالحواس يجوز التصديق بشيء آخر غير مدرك، أو غير ممكن الإدراك، كازدياد النبض، فهو إشارة إلى وجود الحمى، وكإضاءة المصباح الأحمر على الخط الحديدي، فهي إشارة إلى مرور القطار، وكزمر سيارة الإطفائية فهو إشارة إلى اندلاع الحريق، وكذلك الدخان فهو إشارة إلى النار، كما أن البكاء إشارة إلى الحزن.

11 ـ الإشارة فعل خارجي مدرك الغرض منه التعبير عن إرادة. والمثال من ذلك : أنك تشير بيدك إلى الرجل فتستوقفه، أو تطلب منه المجيء إليك، أو تضع السبابة على فمك طالبا منه السكوت. فأنت تعبر بهذه الإشارات كلها عن إراداتك، فتأمر وتنهى، أو تبلغ بإشارتك ما تريد من الأفكار والعواطف. 

12 ـ  الإشارة شيء متحقق في الخارج من شكل أو صوت ينوب عن شيء غائب أو غير ممكن الإدراك، وهو يساعد على إخطار هذا الشيء الغائب في الذهن، كالإشارات الدالة على المعادن في  علم الكيمياء، أو ينضم إلى غيره من الإشارات المجانسة له لإجراء عمليات متعلقة بالأشياء المشار إليها، كإشارات اللغة وإشارات الحساب والجبر، وغيرها.

13 ـ لا جرم أن هذه المعاني الثلاثة تشترك في معنى واحد عام، وهو أن الإشارة شيء يخبر بشيء آخر، أو يعرف به، ويحل محله. وهذا يفرض وجود سبب يمنع الوصول إلى الشيء المشار إليه، أو يجعل الوصول إليه صعبا.

14 ـ لذلك كانت الإشارة في غالب الأمر إدراكا حسيا حاضرا، أوشيئا ماديا، أو شيئا بسيطا، يحل محل الأشياء المشار إليها وهي حقائق بعيدة، أو حقائق غير مادية، أو عمليات ذهنية، أو مجموعات معقدة.

15 ـ ولكن هذا المعنى العام لا يخلو من الالتباس، لأن الإشارة لا تحل دائما محل الشيء المشار إليه. إن الدخان مثلا لا يحل محل النار وهبوط (البارومتر) لا يحل محل العاصفة.

16 ـ هناك الإشارات الطبيعية فهي لا تدل على الشيء المشار إليه إلا لعلاقة طبيعية بينها وبينه، كالدخان الذي يشير إلى وجود النار، أو كالسحب التي تشير إلى قرب هطول المطر. ويطلق اصطلاح الإشارات المعبرة على الإشارات التي تعبر عن حالات النفس وحركاتها، كاصفرار الوجه المعبر عن الخوف، واحمرار الوجه الدال على الخجل.

17 ـ وهذه الإشارات الطبيعية إما بصرية، وإما سمعية، فالحركات الدالة على الهيجان إشارات بصرية، والصراخ الدال على الألم إشارة سمعية.

18 ـ أما الإشارات الاصطلاحية فهي الإشارات التي تكون علاقتها بالشيء المشار إليه مبنية على حكم إرادي جماعي.

19 ـ والإشارات الاصطلاحية 3 أنواع : بصرية، وسمعية، ولمسية. فمن الإشارات البصرية: إشارات الجبر وإشارات الموسيقى، والإشارات البحرية وإشارات الصم والبكم، وإشارات السير، وحروف الكتابة، ومن السمعية : ألفاظ اللغة، ومن اللمسية: حروف الكتابة المستعملة في  تعليم العميان على طريقة برايل.

20 ـ وبين الإشارات الطبيعية والإشارات الاصطلاحية درجات متوسطة. فأبسط إشارات اللغة الصراخ، وأصوات التعجب والنداء، وتقليد أصوات الطبيعة، وأعلاها الألفاظ الواضحة التعبير، والاصطلاحات العلمية المستعملة في الفلك، والرياضيات والفيزياء، والكيمياء وغيرها.

21  ـ والناس لا يتفاهمون بالإشارة إلى إذا عرفوا تأويلها، وأدركوا علاقتاه بالشيء المشار إليه. إن الإشارات لا تدل على علاقات مادية فحسب، بل تدل على علاقات مادية ممزوجة بتصورتنا وعواطفنا.

22 ـ إن البحث في علاقة الإشارات بالعقل موضوع فلسفي بالغ الخطورة، لأن اللغة كما سيأتي عند الحديث عن مفهوم اللغة جملة من الإشارات. 

23 ـ ومن الإشارات ما يستعمل للدلالة على بعض الاعتقادات والمذاهب، كإشارة الصليب عند النصارى، أو إشارات السر عند الماسونيين، ومنها إشارات بروج السماء، وإشارات الجيوش، وإشارات البواخر  الحربية.

24 ـ وإذا دلت الإشارة على جملة من التصورات المتشابهة واقتصر عملها على إخطار هذه التصورات في الذهن أصبحت رمزا.

25 ـ ويشترط في ذلك أن تكون الإشارة دالة على معنى خاص وأن تكون علاقتها بالتصورات المتشابهة واحدة.

26 ـ قال صاحب جامع العلوم في اصطلاحات الفنون : الإشارة الحسية عند أرباب المعقول قد تكون امتدادا خطيا موهوما آخذا من المشير منتهيا إلى نقطة من المشار إليه وقد تكون امتدادا سطحيا ينطبق الخط الذي هو طرفه على الخط المشار إليه أو على خط من المشار إليه وقد تكون امتدادا جسميا ينطبق السطح الذي هو طرفه على السطح المشار إليه أو ينفذ في أقطار المشار إليه بحيث ينطبق كل قطعة منه على كل قطعة من الجسم المشار إليه انطباقا وهميا. هذا إذا كان الجسم المشار إليه شفافا. فإن قيل يفهم من هذا البيان أن الإشارة الحسية غير منحصرة في الامتداد الخطي - ويفهم من قولهم الإشارة الحسية هو الامتداد الخطي الموهوم الآخذ من المشير المنتهى إلى المشار إليه حصرها في الامتداد الخطي المذكور فكيف التوفيق.

27 ـ قال صاحب جامع العلوم في اصطلاحات الفنون : قلنا الحصر المذكور باعتبار الأغلب فإنك إذا لاحظت حالك في الإشارة إلى المحسوسات ظهر لك أن الأغلب في الإشارة إليها هو الامتداد المذكور. فإن قيل تعريف الإشارة الحسية بالامتداد المذكور ليس بصحيح لأن الإشارة صفة المشير والامتداد صفة الخط فلا يصح تعريفها به إذ لا يمكن حمل أحدهما على الآخر. قلنا إن المعرف هو المجموع أعني امتداد خطي آخذ من المشير إلى آخره لا مجرد الامتداد والمشير كما يتصف بالإشارة كذلك يتصف بالامتداد الخطي الآخذ من المشير إلى آخره إلا أنه لتركبه لا يمكن اشتقاق اسم الفاعل منه بخلاف الإشارة.

28 ـ قال صاحب جامع العلوم في اصطلاحات الفنون : فإن قيل إن المشير والمشار إليه مأخوذان في تعريف الإشارة فيلزم تعريف الشيء بنفسه. قلنا المعرف اصطلاحي وما في المعرف لغوي أو المراد من المشير المحس ومن المشار إليه المحسوس من قبيل ذكر الخاص وإرادة العام. وأيضًا كون الإشارة نسبة وكون أحد المنتسبين مشيرا والآخر مشارا إليه معلوم بالبداهة فالغرض من التعريف تحقيق حقيقة تلك النسبة فلا بأس بذكر المنتسبين في تعريفها.

29 ـ والإشارة عند الأصوليين دلالة اللفظ على المعنى من غير سياق الكلام له، ويسمى بفحوى الخطاب أيضا، نحو: وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ففي قوله تعالى له إشارة إلى أن النسب يثبت بالأب، وهي من أقسام مفهوم الموافقة كما يجيء هناك، وفي لفظ النص أيضا. وأهل البديع فسروها بالإتيان بكلام قليل ذي معان جمة، وهذا هو إيجاز القصر بعينه، لكن فرق بينهما ابن أبي الأصبع بأن الإيجاز [له] دلالة مطابقية، ودلالة الإشارة إما تضمن أو التزام، فعلم منه أنه أراد بها ما تقدم من أقسام المفهوم، أي أراد بها الإشارة المسماة بفحوى الخطاب، هكذا يستفاد من الإتقان في نوع المنطوق والمفهوم ونوع الإيجاز.

والحديث عن الإشارة فيه الكثير من الكلام وقد اقتصرنا على هذا القدر خوفا من الإطالة والإطناب.

وفي ختام هذا المقال تدعوكم مدونة (ماكينة الأفكار) إلى نشر الموضوع والتعليق عليه لتعم الفائدة إن شاء الله. رزق الله الجميع من فضله نسألكم جميعا التأمين على هذا الدعاء، اللهم آمين.


وللتواصل والنقاش يمكنكم زيارة الصفحة الشخصية على الفايسبوك :