حقائق روحية من بساط أنوار المعرفة



بحث متخصص بقلم الباحث المغربي الأستاذ عمر الريسوني  :

ازدهت الأنوار المونقات وطلعت اشراقاتها السعيدة على نفوس زكية ، فانغمست في بحر لطيف عذب زلال ، بعدما تخلصت من كثافتها فارتقت في معارج من المعاني بسمات الجمال المودع والمطبوع في خلق بديع لاتقوم كثافته الا بأنوار من اللطائف ، وكل بحث في هذا العلم الموغل قد لا ينفع اذا تداركنا أنه لا وجود لحقيقة في الأشياء ، فالعالم من حولنا أمر بعيد عن فهمنا ، ولا يمكن للراصد الكشف عن حقائقه لأنها مرتبطة بوعيه ، وكل شيء خارج عن وعيه لا يكون على حالة محددة ، وأنه معلق على كل الاحتمالات ، والعقل المخلوق يلعب دورا رئيسيا في تشكيل وترتيب الطبيعة ويقوم الوعي بتحويل الواقع المتراكب الى حقيقة نراها كما أبداها لنا الخالق في خلقه البديع ، فاذا اندثرت كثافة هذا الخلق في وعينا صرنا الى عالم من الأنوار اللطيفة وتجلى لنا مفهوم الوجود والبقاء ، وهذه السمات ندركها في حياتنا اذا تولدت لنا رؤية بالعلم حقا ويقينا ومشاهدة ، فبعدما كان تصور العلوم أن هذا العالم خاضع للتجربة داخل المختبر وكان الاعتقاد السائد أننا عبارة عن آلات أو ماكينات صماء تخضع لمعادلات رياضية ثابتة اذ بالعلوم تصاب بالدهشة والحيرة بعد دراسات مستفيضة اذ أصبحت التجربة الواعية تفوق كل منطق أو خيال ، ولم تستطع كل علوم البشر تصور شيء يتحرك دون أن يكون له موقع ، ومن العسير أن نفكر في شيء كهذا اذ يفوق كل تفسير يخضع لمنطق العقل ولا يمكن تفسير ذلك دون أن يكون لنا علم ارتقى بنا الى أنوار هذه اللطائف في خلق بديع لا يقوم على حدود ما خص به العقل ، وسنسلك في بحر هذه الأنوار مسلكا عظيما بما أنار الله من مكرمات ولطائف تفقهها القلوب ، فلما علم الحق عجزهم عن ادراك سر الهوية أظهر لهم أنوار الذات والصفات رحمة ولطفا منه بهم لكيلا يحرموا من نصيب عرفانه وبان لهم بنعت الوحدانية والجمال والجلال من معين الهوية ليدركوا أن الله تعالى حقيقة كل شيء موجود ، وأنه سبحانه لا يعرف بالأشياء بل كل الأشياء المخلوقة تعرف به ، وهو الأحد الكائن عنه كل منعوت واليه يصير كل مربوب امتنع بصمديته عن وقوف العقول عليه ولا يعرف الا بلطائف الأسرار المودعات في الجوارح ، فالعلم الحق كل العلم الحق أنه الله حقيقة الوجود وخير كله وكمال بوجود نفس الكمال في ذات الحق ، أحدية جمع جميع الحقائق الوجودية وحفظها في مراتبها ولا يكون ذلك الا لذات الواجب الوجود ، ولكي نفهم ونعقل هذه الحقيقة فالبرهان الوجودي أو برهان المثل الأعلى أو برهان الاستعلاء والاستكمال  ونرصد منها حكمة متعالية للعلي الحكيم هو أن العقل كلما تصور شيئا عظيما يتصور ما هو أعظم منه ، وما من شيء كامل الا والعقل يتطلع الى ما هو أكمل منه ، والله تعالى هو غاية الكمال ولا مزيد عليه ولا نقص فيه .