ما هو علم الحساب ؟ وما هي حقيقته التي تميزه عن بقية العلوم الأخرى ؟!


الفكرة الأساسية في الحسابيات هي التعامل مع أي شيء من خلال الأرقام، أي على سبيل المثال إدراك أن ما هو مشترك بين تفاحتين وقطتين هو العدد 2. وتبعاً لذلك تكون هناك القدرة على العد، وعملية العد في الرياضيات هي عملية حساب عدد الأشياء الموجودة.

والرقم هو رمز لتمثيل الأعداد مثلما أن الحروف هي رموز لتمثيل الكلمات نظام العد (كأن تقول 3 أو 7) فكتابة أحد رموزها أو إقران مجموعة من هذه الرموز ببعضها تمثل الأعداد كقيمة ذهنية ذات معنى. كأن تقول 73 هو رمز لقيمة ثلاثة وسبعون شيئا أيا كان هذا الشيء.

قال صديق بن حسن القنوجي في (أبجد العلوم): علم الحساب هو علم بقواعد تعرف بها طرق استخراج المجهولات العددية من المعلومات العددية المخصوصة من الجمع والتفريق والتضعيف والضرب والقسمة. والمراد بالاستخراج معرفة كمياتها.

إذا كلن غرض علم الحساب هو معرفة الكم، فما هو الكم إذن:  هو مصطلح فيزيائي يستخدم لوصف أصغر كمّية يمكن تقسيم بعض الصفات الطبيعية إليها، مثل الطاقة فهي تنتقل في هيئة كم ، أي وحدات صغيرة لا يوجد أصغر منها ؛ والشحنة الكهربية هي أيضا كمومية فأصغر وحدة منها هي الشحنة الأولية شحنة الإلكترون.

أم الكم في الفلسفة القديمة فهو ما يقبل القسمة لذاته ويكون على قسمين : متصل وهو ما كان أجزاؤه المفروضة متصلاً بعضها ببعض، ومنفصل وهو ما لا يكون كذلك. والمتصل إما قار يجتمع أجزاؤه في الوجود وإما غير قار لا يجتمع كذلك (فمتصلة القار) على ثلاثة أقسام : (جسم) وهو ما يقبل القسمة في الطول والعرض والعمق، (وسطح) وهو ما يقبل الإنقسام في الطول والعرض فقط، والمراد بالطول والعرض الجهتان مقابل العمق وإن كانا متساويين كما لا يخفى، (وخط) وهو ما يقبل الانقسام في الطول فقط (وغيره) أي غير القار من الكم المتصل هو (الزمان) لأنه لا يجتمع أجزاؤه في الوجود (ومنفصلة العدد) إذ ليست أجزاؤه متصلاً بعضها ببعض. وعلى هذا فأقسام الكم خمسة.

(مسألة) في خواص الكم (ويشملهما) أي يشمل قسمي الكم من المتصل والمنفصل (قبول المساواة وعدمها) أي اللامساواة، فإنه إذا نسب كم إلى آخر فإما أن يكون مساوياً له أو أزيد أو أنقص، وتعرض المساواة وعدمها لسائر الأشياء بتوسط الكم (و) قبول (القسمة) لذاته فإن سائر الأشياء تقبل القسمة بالعرض والكم يقبلها لذاته (وإمكان وجود العاد) أي اشتماله على أمر يغنيه بالإسقاط عنه مراراً. مثلاً : العشرون مشتمل على (واحد) لو أسقط عنه مراراً عشرين، أفناه، والخمسون متراً مشتمل على (متر) لو أسقط منه خمسون مرة أفناه وهكذا. وهذه الخواص الثلاث للكم أولاً وبالذات ولغيره ثانياً وبالعرض.

(مسألة) (وهو) أي الكم بأقسامه (ذاتي) ويسمى الكم بالذات وهو السطح والجسم التعليمي والخط والزمان والعدد (وعرضي) ويسمى الكم بالعرض وهو ما له ارتباط بالكم بالذات بحيث يصح إجزاء أوصاف الكم عليه كالجسم الطبيعي الذي هو محل للمقدار والعدد.

(مسألة) (ويعرض ثاني القسمين فيهما) أي في الذاتي والعرضي (لأولهما) أي لأول القسمين اللذين هما المتصل والمنفصل. توضيحه : أنّا حيث قسمنا الكم إلى المتصل والمنفصل فثاني القسمين هو الكم المنفصل، وهذا الكم المنفصل الذي هو ثاني القسمين يعرض للكم المتصل الذي هو أول القسمين سواء كان الكم المتصل المعروض ذاتياً أو عرضياً. والحاصل أن الكم المنفصل يعرض على الكم المتصل الذاتي والعرضي وذلك لأن العدد الذي هو كم منفصل يعرض للزمان الذي هو كم متصل ذاتي، وللجسم الذي هو كم متصل عرضي، وفي العبارة شبه قلب أي الأحسن تقديم (لأولهما) على (فيهما).

(مسألة) (وفي حصول المنافي، وعدم الشرط دلالة على انتفاء الضدية) يعني انه لا تضاد بين الكميات لأمرين : (الأول) إن المنافي للضدية حاصل فإن الضدية تقتضي عدم قيام بعض الأضداد ببعض والكم بالعكس فإن الخط قائم بالسطح والسطح قائم بالجسم وهكذا. (الثاني) إن شرط المضادة وهو الاتحاد في الموضوع منتفٍ في الكم فإن موضوع الثلاثة مغاير لموضوع الأربعة، وكذا موضوع الجسم التعليمي الجسم الطبيعي وهو مغاير لموضوع السطح الذي هو جسم تعليمي وهكذا.

(مسألة) (ويوصف) الكم (بالزيادة والكثرة ومقابليهما) أي النقصان والقلة، فيقال : هذا الخط أزيد من ذلك الخط وذلك الخط أنقص من هذا الخط وهذا العدد أكثر من ذلك العدد وذلك العدد أقل من هذا العدد. والوصف بالكثرة والقلة مختص بالكم المنفصل بخلاف الزيادة والنقصان فيعم المتصل والمنفصل ـ كما قيل ـ (دون الشدة ومقابلها) أي الضعف فلا يقال : هذا الخط أو هذا العدد أشد من ذاك فإن الوصف بهما يختص بالكيفيات فيقال : هذا السواد أشد من ذاك، وذاك أضعف من هذا.

(مسألة) (وأنواع) الكم (المتصل القار) أي الخط والسطح والجسم (قد تكون تعليمية) وذلك فيما إذا أخذت هذه الثلاثة من غير التفات إلى شيء من المواد، فالخط هو الممتد في جهة واحدة والسطح هو الممتد في جهتين والجسم هو الممتد في ثلاث جهات، وإنما سميت بالتعليمي حينئذ لأن علم التعاليم إنما يبحث عن الخط والسطح والجسم مجردة عن المواد وتوابعها. (وإن كانت تختلف) هذه الأنواع الثلاثة التعليمية (بنوع ما من الاعتبار) فإن الجسم يمكن أن يتخيل لا بشرط غيره أو بشرط عدم غيره، وأما السطح والخط فلا يمكن ذلك فيهما إذ لا يمكن أن يتخيل بعد ممتد في جهتي الطول والعرض مجرداً عن الامتداد العمقي بالمرة أو يتخيل بعد ممتد في جهة الطول فقط مجرداً عن الامتداد العرضي والعمقي.

(مسألة) في أن جميع هذه الأنواع أعراضاً (وتخلف الجوهرية عما يقال في جواب ما هو يعطي عرضيته) فإذا سُئِل عن الخط والسطح والجسم التعليمي والعدد والزمان بما هو أجيب بما ليس فيه الجوهرية. وهذا دليل على عدم جوهرية هذه الكميات وإلا لزم أن يكون معنى الجوهرية موجوداً في الجواب عنها، وقد تقدم تعريف كل واحد منها بما ليس معنى الجوهرية فيه فراجع.

فائدة علم الحساب :


يقال: إن من أخذ نفسه بتعلم الحساب أول أمره يغلب عليه الصدق لما في الحساب من صحة المباني ومنافسة النفس، فيصير له ذلك خلقاً ويتعود الصدق، ويلازمه مذهباً.

ويُحتاج إلى علم الحساب في العلوم الفلكية وفي المساحة والطب. وقيل: يحتاج إليه في جميع العلوم بالجملة، ولا يستغني عنه مَلِك ولا عالم ولا سوقة. وزاد شرفاً بقوله سبحانه وتعالى { وكفى بنا حاسبين }(الأنبياء/47) وبقوله تعالى { ولتعلموا عدد السنين والحساب }(الإسراء/12) وقوله تعالى{ فأسأل العادّين}(المؤمنون/113).