كلام سيجعلك أيها المؤمن تعيد نظرك في علاقتك مع الله

هذه الواقعة ستهز كيانك أيها المؤمن من الداخل بعمق، وستجعلك تعيد النظر في كيفية فهمك للمعاملة مع خالقك ورازقك.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ مر عليه يومًا وهو جالس في رهط (أي جماعة ) من القوم فَقَالَ ﷺ : ((إِن فِيكُم لَرَجُلًا ضرْسُهُ فِي النَّار أَعْظَمُ مِنْ أُحدٍ)). انتهى كلام الحبيب صلى الله عليه وسلم.

كان إخبارا من رسول الله ﷺ أن واحدا منهم سيكون من أهل النار، وياله من إخبار من الصادق المصدوق ﷺ ؛ فقد حقّــت النار  على أحدهم !.

حقيقة الأمر مخيف جدا أن يخبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك في ضمن قائمة أحد المتواجدين ضمنها سيكون من أهل النار.

أظن أنك لن يهدأ لك البال حينها، ولن يعرف النوم طريقا الى عينيك، الأمر خطير جدا، ومخيف ومرعب.

وقد مات القوم كلهم على خير وفضل عظيم، وعلى الإسلام والايمان، ولم يبق منهم إلا أبا هريرة رضي الله عنه، و رجل من بني حنيفة اسمه : « الرَّجَّال بن عنفوة ».

وكان هذا الشخص من الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني حنيفة، وكانوا بضعة عشر رجلا فأسلموا، فلزم  الرَّجَّالُ بن عنفوة  النبيَّ ﷺ، وتعلم منه احكام الدين، وحفظ القرآن، وجدّ في العبادة.

يقول رافع بن خديج : كان بالرَّجَّالِ من الخشوع ولزوم قراءة القرآن والخير شيء عجيب.

وقال عنه ابن عمر : كان من أفضل الوفد عندنا.

ياسبحان الله !! كان حافظاً قوّاماً صوّاماً.

ظل إخبارُ النبي عالقًا برأس أبي هريرة رضي الله عنه، وكلما رأى"الرَّجَّال بن عنفوة " ومداومته على العبادة وزهده، زاد الأمر صعوبة وتعقيدا وظن حينها أبو هريرة أنه هو الهالك وأنه هو المقصود بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه هو صاحب النبوءة وأصابه الرعب والفزع.

إنه أمر عظيم أن تكون في مثل هذا الموقف الخطير جدا إنها آخرتك مهددة بالخسران الأبدي.

ولكن القدر كان يخفي شيئا اخر، فلما ظهر مُسيلمة الكذاب في اليمامة، وادّعى النبوة واتّــبعه خلقٌ من أهل اليمامة.

بعث أبو بكر الصديق  "الرَّجَّال بن عنفوة " لأهل اليمامة يدعوهم إلى الله، ويثبّـــتهم على الإسلام، فلما وصل " الرَّجَّال" اليمامة التقاه مسيلمة الكذاب وأكرمه وأغراه بالمال والذهب، وعرض عليه نصف مُلكه إذا خرج إلى الناس وقال لهم إنه سمع محمداً يقول: إن مسيلمة شريك له في النبوة.

ولما رأى " الرَّجَّال" للأسف الشديد ما فيه  مسيلمة من النعيم - وكان فقيرا -، ضعُـف ونسي إيمانه، وخرج إلى الناس الذين كانوا يعرفون أنه من رفقاء النبي ﷺ، فشهد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه قد أشرك معه مُسيلمة بن حبيب في الأمر. ويالها من خيانة ويالها من كبوة.

فكانت فتنة " الرَّجَّال" أشد من فتنة مسيلمة الكذاب، وضل خلقٌ كثير بسببه، واتّـبعوا مُسيلمة حتى تعدى جيشه أربعين ألفا.

فجهّز أبوبكر الصديق جيشاً لحرب مسيلمة فهُـزِم في بادئ الأمر، فأرسل مدداً، وجعل على رأسه سيف الله خالد بن الوليد.

كان من ضمن الجيش: "وحشي بن حرب" الذي قتل أسد الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم أسلم و ذهب لرسول الله ﷺ.

ولما ذهب في جيش خالد قرر أن يترصّـد مُسيلمة فيقتل شر خلق الله؛  تكفيراً عن قتل حمزة عم النبي ﷺ، و بدأت معركة لم يعرف العرب مثلها، وكان يوماً شديدا.

ولولا ثبات أصحاب رسول الله وأهل القرآن الذين نادوا في الناس، فعادوا إليهم و حملوا على جيش مسيلمة حتى زحزحوه، و تتبع "وحشي" مُسيلمةَ الكذاب حتى قتله بحصن تحصّــن فيه، وانهزم بنو حنيفة، وقُتل "الرَّجَّال بن عنفوة" مع مَن قُـــتل من أتباع مُسيلمة فمات على الكفر مذموماً مخذولاً ! ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

ولما علم أبو هريرة هوى الى الارض ساجدا سجدة شكر لله على أن نجه الله بأعجوبة من الوقوع في العذب المخلد؛ بعد أن أدرك أخيرا أنه نجا بفضل الله ورحمته، ويالها من فرحة أحس بها حينها أبو هريرة رضي الله عنه.

فانظر هنا كيف أن قلب العبد بيد الله يقلبه كيف يشاء، فليست العبرة بكثرة صيام ولا قيام، ولا بخشوع ولا باي شيء، انما نحصل على نعيم الله في الاخرة بفضل منه سبحانه، فهو المافضل علينا برحمته، ولا أحد سينجوا بعمله، فحتى كبار الصاحبة مثل الذي ذكر في هذه القصة انظر كيف انقلب حاله وصار من أكبر الناس ضرسا في النار.

فلا حول ولا قوة لنا إلا بالله، نسأل الله أن يسترنا في الدنيا، ويغفر لنا، ويرحمنا، ويختم أعملنا بالصالحات، ويتوب علينا، ويقبلنا عنده بفضل منه لا بحول من ولا قوة ولا ذكاء ولا حيلة.

يا الله يا الله يا الله عفوك ورحمتك إنك رؤوف رحيم.