بساطة الانضباط


يضع جميع الأشخاص عبر العالم توقعات مثالية لا تناسبهم، وغالبا تلك التوقعات التي وضعوها لأنفسهم تقف عائقا في طريق ما يريدون تحقيقه من أهداف وطموحات في حياتهم المهنية أو الشخصية.

الجميع يعتقدون أن التوقعات المثالية هي سبب النجاح، وأن هذه الطريقة في التفكير  ستوصلهم إلى أعلى قمم التفوق والإنجاز.

ولكن بعد نقطة معينة من السير في هذا الطريق، تصبح التوقعات عبارة عن ثقب كبير في تفكير هؤلاء الأشخاص يستنزف طاقاتهم العقلية والنفسية، بدل أن تكون تلك التوقعات الإيجابية والمثالية هي المحرك والدافع الأكبر نحو الهدف المطلوب.

للانتقال بسهولة إلى المستوى التالي، وتجاوز مرحلة التفكير التوقعي الاستباقي بالنسبة للكثيرين منا ممن يقدمون أداءً بمستويات عالية - وفي الواقع بالنسبة للأشخاص من جميع الأنواع - هو التخلي عن كل التوقعات.

يشتهر توني روبينز بقوله : "حوّل توقعاتك ... إلى تقدير". إنها مقولة رائعة، وتساعدنا بشكل جيد على البدء في رؤية أين هو محل التوقعات في رحلتنا نحو النجاح.

لنلقي إذن نظرة عميقة بعض الشيء حول هذا الأمر المهم.

فخ التوقعات 

أعرف الكثير من الأشخاص الذين حسّنوا حياتهم لأنهم كانوا يتوقعون أن يكونوا في المستقبل القريب أو المتوسط أفضل حالا مما هم عليه الآن.

وغالبهم يقول في نفسه بصوت خفي : "يجب أن أكون في حالة أفضل. يجب أن أحصل على وظيفة أفضل. يجب أن أكون أكثر إنتاجية. يجب أن أكون أكثر انضباطا. يجب أن أكون أكثر وعيا. يجب أن تناول طعاما صحيا ".

أعرف هذه التوقعات جيدًا - لقد كنت أتوقعها كثيرا في بداية رحلتي نحو النجاح. إنها تقريبا الطريقة التي نبدأ بها جميعًا.

نحن نأخذ هذه التوقعات ونحولها إلى أفعال "حسنًا، لقد حان الوقت أخيرًا للتخلص من التوقعات والقيام بشيء حيال هذه المشكلة"، يبدأ التغيير - عندما نحفز أنفسنا على البدء في فعل أمر ما.

لذا يمكن أن تبدو هذه التوقعات وكأنها تقوم بالكثير من العمل، لأنها الأشياء التي دفعتنا إلى البدء.

لكن أغلب هؤلاء بعد ذلك بدأوا في الوقوف في منتصف الطريق:

  • كنت أتوقع أن أكون رائعًا في هذه العادة بعد بضعة أيام، لكن بعد أسبوع من ذلك لا زلت واقفا في النفس النقطة التي بدأت منها.
  • كنت أتوقع أن أكون مثاليًا في هذه العادة ولكني ما زلت أعاني.
  • كنت أتوقع أن يتحسن خطي بعد أسبوعين ولكن لا شيء تغير لحد الان.
  • كنت أتوقع أن أستمتع حقًا باليوغا أو التأمل، لكن الأمر أصعب مما كنت أعتقد.
  • وبالتالي يصل الإنسان الى النتيجة المنطقية التالية وهي أن تلك التوقعات لا تتحقق في اغلب الحالات، لذا فتلك التوقعات المثالية والايجابية هي سيئة للغاية (ولا يمكنني تقديرها).
  • أغلبنا يركز بشدة على الكيفية التي يريد أن تتحول بها الأشياء  من حوله اي اغلبنا يركز على (التوقعات)، لدرجة أننا أصبحنا جميعا نفتقد جمال ما يحدث لنا في هذه اللحظة، وما يجري حول تلك اللحظة من احداث وما إلى ذلك، وهلم جرا.
  • التوقعات في الحقيقة تمنعنا من بساطة الانضباط.

بساطة الانضباط


الأشياء التي نريد أن نكون منضبطين فيها هي في الحقيقة بسيطة إلى حد ما، من نواح كثيرة.

هل تريد أن تكون منسجما مع عاداتك اليومية، أو مع التأمل، أو التمارين الرياضية؟ فقط ببساطة ابدأ على  قدر الإمكان وحسب طاقتك النفسية والعقلية الخاصة بك. افعل ذلك مرة أخرى في اليوم التالي. وإذا فاتك يوم دون أن تفعل ذلك، فلا مشكلة - فقط ابدأ من جديد، كرر ذلك مرارا و تكرارا مهما تعثرت أو توقفت.

تبدأ جميع مشاكل العادات في الاختفاء عندما نتخلى عن التوقعات. يمكننا أن نبدأ في تقدير ممارسة العادة في نفس اللحظة التي ننجز فيها تلك العادة، بدلاً من الاهتمام بالكيفية التي ستغير بها تلك العادة حياتنا بعد فترة من الزمان في المستقبل القريب او البعيد.

الأمر فعلا بسيط للغاية، عندما نتخلى عن التوقعات ونركز فقط على اللحظة التي نحن فيها الان.

تصبح عادة الكتابة اليومية بسيطة مثل التقاط أداة الكتابة او القلم والقيام بالكتابة، دون توقع أن تكون جيدة أو أن الناس سيحبونها في المستقبل، أو توقع أن تكون كاتبا مشهورا خلال عام أو عامين من الان.

تصبح عادة ممارسة الرياضة اليومية بسيطة مثل ارتداء حذائك، والخروج للخارج، والذهاب للمشي أو الجري أو التنزه أو ممارسة تمرينات اللياقة البدنية. فأنت لا تحتاج إلى معدات فاخرة، أو لبرنامج رياضي مثالي، أو عضوية سنوية في نادي رياضي فخم. أنت فقط تبدأ في التحرك ببساطة ولكن قدر الإمكان.

بالطبع، لدى الناس جميع أنواع التوقف عندما يتعلق الأمر بالتمارين الرياضية، أوالكتابة، أو الالتزام برجيم معين. تأتي هذه الأمور من سنوات جلد الذات. يمكننا التوقف عن جلد أنفسنا في اللحظة التي نتخلى فيها عن التوقعات. بعد ذلك، بدون طبقات الحكم الذاتي، يمكننا ببساطة التحرك وبحرية اكبر دون قيود التوقعات المثالية الحالمة.

في كل مرة "نفشل" في الالتزام بعادة معينة، نشعر بالإحباط، وذلك بسبب التوقعات التي كنا نطمح في انجازها. ماذا لو أسقطنا أي توقع بأن نكون مثاليين فيها، وعدنا إلى ممارسة العادة في أقرب فرصة؟ مرارا وتكرارا.

حينها يصبح كل شيء في غاية البساطة، بمجرد أن نتمكن من إسقاط التوقعات. وإذا أصبحنا حاضرين تمامًا في اللحظة والوقت الحاضر وتاجهلنا تماما التوقعات المستقبلية، فيمكن أن يكون الأمر عندها ممتعًا! فرحة التواجد في اللحظة، والقيام بشيء ذي معنى لا توازيها فرحة أخرى في هذا العالم.

إسقاط التوقعات


بسيط جدا أليس كذلك؟ الآن علينا فقط معرفة كيفية إسقاط تلك التوقعات المزعجة.

هذا هو كل ما في الأمر: لقد اتضح أن العقل البشري هو مولد قوي للتوقعات. مثل كل الأوقات السابقة، فإنه يخلق التوقعات، دون أي أساس منطقي مبني على حقائق ومعطيات ملموسة.

فهل نقوم فقط بإيقاف تشغيل آلة التوقعات داخل أدمغتنا؟ اذن حظا سعيدا اخي القارئ، في الحقيقة لم أر أحدا يفعل ذلك. في الواقع الأمل في أن نتمكن من إيقاف التوقعات هو في حد ذاته توقع.

لكي تنجح في ايقاف التوقعات عليك فقط ملاحظة التوقعات، اجلب لتلك التوقعات وعيًا لطيفًا. فقط قل، "اهلا بك! انا اراك ايه التوقع. أعلم أنك سبب شعوري بالإحباط، والإرهاق، والتأخر، وعدم الكفاءة ".

هل هذا صحيح بالنسبة لك، أليس كذلك؟ نحن نشعر بعدم الكفاية لأن لدينا بعض التوقعات بأننا أكثر من ما نحن عليه الان. نشعر بالتأخر والفشل بسبب بعض التوقعات المختلقة في عقولنا لما كان يجب علينا فعله بالفعل.

نشعر بالإحباط لأننا لم نصل إلى بعض التوقعات. نشعر بالإرهاق لأننا نتوقع أننا يجب أن نكون قادرين على التعامل مع كل الأعمال بسهولة وفي الحال. نشعر بالإحباط لأن شخصًا ما (نحن أو أي شخص آخر) فشل في تلبية توقعاتنا.

كل هذه المشاعر هي علامات واضحة على أن لدينا توقعات. ويمكننا ببساطة أن نجلب الوعي إلى توقعاتنا.

حينما يصبح لدينا هذا الوعي العميق بتوقعتنا نكون عندها في مكان الاختيار، هل أرغب في أن أحتفظ بهذه التوقعات المثالية التجميلية؟ أم يمكنني التخلي عن ذلك ورؤية الأشياء كما هي؟ ببساطة قم بالخطوة التالية.

إن رؤية الأشياء كما هي، دون توقعات، هي رؤية التجربة الانية المجردة، اي الواقع المادي الفعلي للأشياء ، بدون كل المثل العليا والتخيلات والإحباطات التي نضعها فوق الواقع.

هذا يعني أنه عندما يفوتنا يوم دون فعل ما يجب علينا فعله، لا يتعين علينا أن ننشغل بأفكار حول مدى سوء ذلك - فنحن فقط ننظر إلى اللحظة التي نعيش فيها، ونجلس على وسادة التأمل، لذلك أخرج لوح الكتابة، وافعل الشيء التالي بعيون صافية دون سحابة التوقعات التي تشل حركتك نحو الخطوة التالية.

لذلك في هذا المكان الذي نختاره، يمكننا أن نقرر ما إذا كنا نريد البقاء في هذا العالم الخيالي من التوقعات ... أو تركه كما هو، وهو مفتوح على مصراعيه، جاهزين للذهاب ولفعل الشيء التالي.

هذا هو الخيار الذي يمكننا اتخاذه، في كل مرة، إذا كنا على دراية بتوقعاتنا في الوقت الحالي.

اثنين من ممارسات الانضباط البسيطة


لنتحدث بإيجاز عن ممارستين: الانضباط في القيام بالعمل، والانضباط المتمثل في التمسك بعادة ما بشكل مستمر ودائم.

الانضباط في القيام بالعمل : لنفترض أن لديك قائمة مهام، بها 5 مهام مهمة، و 10 مهام أصغر منها (بما في ذلك الرد على البريد الإلكتروني، وشراء صنبور بديل لحوض المطبخ، وما إلى ذلك).

ما الذي قد يقف في طريق القيام بكل ذلك؟ ربما هو عدم الوضوح بشأن ما يجب القيام به أولاً (أو التوقع بأنك تختار المهمة "الصحيحة")، والشعور بالمقاومة للقيام بذلك (لأنك توقع أن يكون العمل مريحًا)، وايضا القلق بشأن كيفية حدوثه بالنسبة للناس (اي توقع أن يعتقد الناس أنك رائع)، مشددًا على كل الأشياء التي عليك القيام بها اليوم (توقع أن يكون لديك يومًا هادئًا ومنظمًا وبسيطًا)، وترغب في الركض إلى مصادر التشتيت المفضلة لديك (فانت تتوقع أن تكون الأمور سهلة).

لذا عند ملاحظة هذه الصعوبات التي تسببها التوقعات ... يمكنك تحديد ما إذا كنت تريد أن تكون في مكان التوقعات هذا الذي رسمته في مخيلتك، أو إذا كنت ترغب في إسقاطها والبقاء في الوقت الحالي كما هو.

ثم تقوم بعمل بسيط بالشكل التالي:

  1. اختر مهمة واحدة، وتخلى عن توقعاتك بأن تكون المهمة الصحيحة.
  2. ضع كل شيء آخر جانبًا - المهام الأخرى، والمشتتات. تخلَّ عن التوقع بأنك تفعل كل شيء الآن، وأن ما تفعله يجب أن يكون سهلاً ومريحًا.
  3. قم بالمهمة. كن في اللحظة معها. تخلَّ عن توقعات الراحة أو التوقعات بأنك ستنجح في ذلك وانسى ايضا ما سيحكم به عليك الآخرون. فقط افعل وابحث عن متعة العمل.
  4. ابق مع مهمتك الانية طالما يمكنك فعل ذلك، وإذا تمت مقاطعتك، ببساطة عد اليها مجددا.
  5. عندما تنتهي، أو حان الوقت للمضي قدمًا، اختر شيئًا آخر. تخلص من التوقعات بأنك قد أنجزت كل شيء على الفور ، واختر شيئًا واحدًا لتفعله بعد ذلك.

ثم كرر ذلك وتمتع بما تفعله وتنجزه في تلك اللحظات دون ان تشغل نفسك بما سيحدث من توقعات في المستقبل.

من المهم أن تميز - بين التخلي عن توقع أنك لست متعبًا، وبين إرهاق نفسك. نحن لا ندعو إلى إرهاق نفسك من اجل الإرهاق لحد ذاته. 

لكن هذا لا يعني أننا يجب ألا نفعل أي شيء أبدًا عندما لا نشعر بالارتياح عند اداء ذلك العمل. علينا أن نتخلى عن توقع أننا لن نشعر بالتعب عندما نعمل ... وكذلك توقع ألا نتوقف عن العمل أبدًا. وببساطة استرح عندما تحتاج إلى الراحة.

الانضباط في العادات الثابتة: لنفترض أنك تريد أن تصبح أكثر التزاما ببعض العادات الجيدة والمفيدة لك. ولنفترض انك اخترت مثلا الالتزام بواحدة يوميا على سبيل المثال.

فما الذي قد يعيق التزامك بهذه العادة؟ مايعيقك هو عدم إفساح المجال لذلك في يومك (اي انك تتوقع أن تأتي الأشياء بسهولة دون الالتزام الكامل بها)، ومن المعيقات ايضا عدم الاستمتاع بتلك العادة (توقع أن تكون الأشياء مريحة وممتعة)، وعدم القيام بما كنت تتمناه، والإحباط (التوقعات بأنك " ستكون رائعًا في ادائك والتزامك بتلك العادة)، تفويت بعض الأيام وما يصحبه من الإحباط (توقع أنك متكامل ومتسق بشكل كامل)، مقاومة القيام بذلك عندما يكون لديك أشياء أخرى للقيام بها (توقع أنك لست مضطرًا للتضحية بشيء تريد القيام به) .

لذا عند ملاحظة هذه الصعوبات التي تسببها التوقعات ... يمكنك تحديد ما إذا كنت تريد أن تكون في مكان التوقعات هذا ، أو إذا كنت ترغب في إسقاطها والبقاء في الوقت الحالي كما هو.

الانضباط البسيط هو ببساطة كالتالي:

  1. اقتطع مساحة من الوقت، ألزم نفسك بممارسة تلك العادة في تلك المساحة.
  2. افعل هذه العادة. لاحظ ما إذا كنت تشعر بمقاومة ، وافعل ذلك.
  3. قم بتقدير تلك العادة كما تفعلها الان دون التعلق الوهمي بالتوقعات التي ستحصل عليها نتيجة التزامك بهذه العادة لمدة اطول.
  4. افعل ذلك في اليوم التالي وكرره باستمرار.
  5. إذا فاتك يوم دون فعل ذلك، فابدأ من جديد ببساطة، تاركًا التوقعات جانبا دون ان تلتفت اليها.

إذا كنت تعاني من الشعور بالتعب وعدم الرغبة في القيام بشيء ما ، فهذا بسبب توقع أنك يجب ان لا تكون متعبًا، وليس عليك القيام بأشياء عندما تشعر بالتعب. 

ستلاحظ أن لا شيء من المنطق العقلي السليم يقول بأن القيام بالمهمة أو العادة سيكون سهلاً أو مريحًا أو بدون خوف أو تعب.

إذن، للتخلي عن كل تلك المشاكل النفسية، ننتقل ببساطة إلى ما هو موجود في الوقت الحالي، ونستمر في فعل ذلك.

ترجمه من الإنجليزية إلى العربية :

فيصل أشرقي


المقال الأصلي باللغة الإنجليزية :

من هنا